الأحد، 26 ديسمبر 2010

ألتباس

عرفه كما عرفته ، فهو لم يكن حزينا ، و لم يعرف الأمان ، حار فى اختيار جمل تعبر عن تاريخ صنعه بحنكة وخبرة راوى كاذب عن أساطير عائلته ودنيته المنسحقة !

تاه بين أكثر من آثر لعائلة كبيرة ، لم يتبقى منها الا اللصوص والقتلة ، حاول إيجاد إجابة على أسئلة وجودية ، لم يجد لها مثيل فى كتب الفلاسفة القدامى .

- لماذا لديك هذا الشعور الملتبس تجاه زوجك الراحل ؟

هل ؟ يجوز أن أِشعر بالحنق تجاه عاشق ، كتب لى عشقه على صفحة جسدى بريشة غمسها فى دمه ، ثم قبل كل حرف كتبه فى مكانه .

- آلست غاضبة منه ؟

هل؟ يعقل أن أشعر بالغضب من فانى لم يصبر على أن يصير أحد أكاذيب الحياة .

- هل ؟ ترتاحين هكذا وهو يسيطر على حياتك رغم رحيله الذى طال ؟

فى الرحيل عن هذه الأماكن المزيفة راحة أحسده عليها ، له وجود لم أقصده ، ولم يقصده ، فقد صنع القدر حالة شديدة التعقيد بينى وبينه ، جعلنى أمه وأخته وصديقته وحبيبته ، فى الوقت الذى لم أشعر تجاهه إلا بالحب ، فكانت مفاجأة المسئولية ، أنه يحتاج منى أن أقوم بكل الأدوار ، فانا أمه التى تغضبه ويعنفها بلا خوف من غضبها الذى لا يعنيه ، وأنا أخته التى أحبها اكثر من أى كائن فى الحياة وكانت تغدق عليه بكرم لا نظير له ، ولا تتمنى له إلا السعادة ، وصديقته التى تؤنس وحدته وتشاركه اهتماماته وكل ما يفعل فى الكون من مبيقات ولا تنتقده أبدا ، وحبيبته التى جعلها أسطورته الخاصة وصنع منها نجما لا يطوله احد غيره ، ورغم كل ذلك لم يكن بالقوة الملائمة لأن يسيطر على حياتى وهو فى الأرض ، كان اضعف من أن يثبتنى عليها ، اهتزت كل الأماكن الذى مرق عليها من دقات قلبه ، فلا يثبت ابدا فى مكان ، كما لم يثبت فى البيت.

- كيف تقيمين علاقتك به بعد كل هذا الوقت، وبعد غدره الماكر بك ؟

تخيل دنياك بلا أحد يناديك ؟

بجبروته فى التعامل مع الحياة ، إذا ما غضبت منه وطلبت الانفصال ، أجد أمامي طفلا يتوسل الرضا والغفران ، يستثير فى مشاعر أمه وأخته ، أعطى فرصة جديدة لمارد حب لا يهدأ وعفريت موهوب يحترق بتعويذات سحر أسود ، يتجدد أمل فى إصلاح حاله ، سلوكه المؤذى لمشاعر منافقين دقوا أبواب الغباء الروحى ، تباهوا بأنهم الملائكة وهو الشيطان بأم عينه ، نسوا أن أكثر من أحب الله هو الشيطان ، يسعى حتى تزول الأرض وما عليها ليثبت لله ، أنه الأجدر بثقته من أدم وآل أدم المخلوقين من طين ، كان جريئا فى إعلان دعمه للشيطان ، لم يقوم بتمثيل دور التقى المؤدب الخائف من غضب الله لأنه حالف الشيطان بعض الأحيان ودعم نشاطه المكثف على الأرض ، حتى عندما داهمه المرض اللعين و الذي قرر ان يتحدى به الظروف المؤذية لروحه وحياته ، خرج للسماء يعاتبه جهرا

- " ليه بتعمل كدا فى ، أنا لسه معشتش ، لسة مشبعتش من الدنيا ، أدينى فرصة ، ايه أنت شايف بعينك اهه أنا مش حمل موت دلوقتى "

وببساطة فى نفس اللحظة اللى بكى فيها ، التفت لى بكل براءة وخبط راسى براسه "روسية " يعنى وهو يقول :

- "مش هاسيبك لوحدك هنا ومش هاروح لوحدى هناك ، لازم تيجى معايا "

- أنت بتتكلم بجد ، عايزنى اموت معاك

- ايوا

- طب والبنت ؟!

- متهمنيش ، انا عايزك معايا وسيبهاله هو ، مش هو قادر على كل شىء ، خليه هو يربيها .

أغضب بشدة ، أذهب بعيدا عنه ، يتحرك تجاهى وهو يتهاوى وكأن السر سيخرج حالا ، يجذبنى بعنف من يدى ، يخبطنى مرة اخرى ولكن هذه المرة فى الحائط السيراميكى اللامع ، فتزف رأسى نزيفا مخيفا ، يلتف الناس حولى ، وهو يقول لهم ،

- مش عايزا تموت معايا بت الكلب ، هاتسيبنى أموت لوحدى

يهدىء الناس من روعى وخوفي ، يتركونه ويلتفون حولى لينصحونني بالصبر والاحتمال فى حين يؤكد طبيبه ، أنني لن أشعر أبدا بما يشعر به ، فهو بين أيادي الله

- وهل يا دكتور ايادى الله يمكن ان يصدر عنها مثل هذا الشر ؟

يجيبنى الدكتور بأن الله يعطى الفرص للجميع ، فيسبه بلفظ مقزز ، وهو يسب الله فى نفس الوقت ، ويؤكد على الطبيب ان هذا الذى يتحدث عنه ، لم يعطيه اى فرص من قبل ، بل انه منذ ولد وهو حزين وبائس ، وهل هذه فرص يعطيها إله " فرص للألم فقط" .

فى نفس الغرفة الذى سكنها كان هناك طفلا فلسطينيا ، يرافقه ابوه الفلاح البسيط الطيب الى حد البكاء ، لم أراه يحب أحدا فى الحياة مثلما احب هذا الولد "يوسف " ووالده ، وعندما علم ان "يوسف " فقد عينه اليمنى خطأ ، حيث شخص الطبيب حالته على ان لديه ورم سرطانى بالعين ، فى حين ان الامر كان لا يعدو "خراجا" يطيب بقطرة غالية الثمن فقط ، طق فى قلبه عرقا جديدا ، وداهمته أزمة مميته فى ذلك اليوم ومنذ ذلك الحين ، أصبح يوسف و ابو يوسف وكل من يزورونه من أقاربه الفلسطينين هم أحبائه " ، كان يطلب منى طلبات لا يفهمها احد غيره وغيرى ، ويرفض ان ابدو غير مهندمة او بملامحى شجن ، يريدنى متوهجة متأنقة ، ولم يكف عن امدادى بأخر ما وصل للعالم من انجازات سواء على مستوى القراءة او على مستوى الكتابة او الكرة والسياسة ، يحدثنى عن احزان بشر لا يراهم غيره ،عندما حلم بأن أخته تحيك له جلباب أبيض، سألنى عن تفسير الحلم ، أجبته بأنك ستشفى ، ثار وغضب ، بل كاد يقتلنى وهو يقول لماذا تكذبين ؟ ، أنا اعرف تفسير الحلم جيدا ، تفلسفت عليه قائلة ، الحلم حسب نية تفسيره يا حبيبى ، بكى وهو يقول ، لا يا عمرى ، انا سأموت وهذا كفنى ، اعرف جيدا ، رأيتهم أكثر من مرة هذا الاسبوع ، يحومون حولى فى المستشفى ، هربت منهم كثيرا ، فأنا أقضى وقتى كله تقريبا بالحمام حتى لا يدخلون الى ، فهو ليس واحد ، بل هم كثر ، رفضى لهم يجعلهم ثائرين على ويطاردوننى ، أذهبى واستعدى ، ولا تغيبى على ، فلن أرحمك ان غبتى على وانا ميت .